أحمد بن ابراهيم النقشبندي
217
شرح الحكم الغوثية
ومن هنا تفهم سر وصيته صلى اللّه عليه وسلم لذلك الذي استوصاه فقال له : « لا تغضب ثم استوصاه فقال له : لا تغضب ولا ترد « 1 » » ، يعني تحقق بكمال شهود التوحيد ، ولا تشهد بقلبك ، ولا تسمو همتك إلّا إليه ، فمن لم يشهد إلّا هو ، ولم يبق في قلبه بقية لسواه كيف يعتريه الغضب ، وكيف يحل حول حمى قلبه شيء من التعب ، فالنعيم وإن تنوعت مظاهره إنما هو بوجود حجابه . فلا تسمو همتك أيّها الأخ إلّا إليه ، واستعن على ذلك بالتحبب إلى قلوب أوليائه ، فإنهم ألباب الجامع الذي تدخل منه عليه . 90 - من حرم احترام الأولياء ، ابتلاه اللّه بالمقت بين خلقه .
--> - وانجذب إلى حضرته غاب في شهود نوره عن كل شيء ، ولم يثبت مع اللّه شيئا . والفرق بين الفاني والعارف أن العارف يثبت الأشياء باللّه ، والفاني لا يثبت شيئا سوى اللّه ، العارف يقرر القدرة والحكمة ، والفاني لا يرى إلا القدرة . العارف يرى الحق في الخلق ، كقول بعضهم : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه ، والفاني لا يرى إلا الحق ، يقول : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ، العارف في مقام البقاء ، والفاني مجذوب في مقام الفناء ، الفاني سائر ، والعارف متمكن واصل ، ومن أحب اللّه لم يؤثر عليه شيئا من حظوظه ، وهوى نفسه ، ولو كان فيه حتف أنفه ، والكلام في المحبة طويل ، ذكر الشيخ في « لطائف المنن » منه جملة صالحة ، وكلام الشيخ رضي الله عنه من باب التدلي ، فالمعرفة أعلى المقامات وقبلها الفناء ، وقيل للفناء المحبة : أي أولها ، فأول ما يقذف اللّه في قلب عبده الذي يريد أن يصطفيه لحضرته ويعرفه به محبته ، فلا يزال يلهج بذكره ، ويتعب جوارحه في خدمته ، ويتعطش إلى معرفته ، فلم يزل يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه الحق ، فإذا أحبه أفناه عن نفسه وغيبه عن حسه فكان سمعه ، وبصره ويده وجملته ، ثم رده إليه وإبقاه به ، فعرفه في كل شيء ، ورآه قائما بكل شيء ، ظاهرا في كل شيء ، واللّه تعالى أعلم . ولهذا الذي ذكره الشيخ علامات تدل على تحقيق تلك المقامات ، فمن وجدها في نفسه كانت دعواه لتلك المقامات أو بعضها صحيحة ، ومن لم يجدها في نفسه كانت دعواه لها كاذبة وفضيحة ، فليعرف قدره ، ولا يتعد طوره ، وباللّه التوفيق . انظر : شرح الحكمة ( 199 ) . ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2267 ) ، ومسلم ( 4 / 1903 ) .